azzaman
2003/04/03
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

مقالات - النيران الصديقة - مثال سياسي عربي من وقائع في تاريخ الاسبان - تيسير نظمي

مقالات - النيران الصديقة - مثال سياسي عربي من وقائع في تاريخ الاسبان - تيسير نظمي
في أوقات الحرب، قلما ينبري أحد لتأمل السقطات ذات الدلالة العميقة لأحد طرفي الحرب، أو المعتدين علي أقل تقدير. فالحروب عادة ما تلفت الأنظار لجوانبها الدرامية والعسكرية منها تحديدا غير أن عنصر (الصدمة والذهول) تحقق فعلا في الجانب الثقافي وبطريقة عكسية عندما لعب الرئيس الأمريكي الثالث والأربعين دور كريستوفر كولومبس لمواطنيه الأمريكيين الذين تولدوا بعد حرب فيتنام بقوله لهم (إن العراق بحجم كاليفورنيا)! ومعروف عن المواطن الأمريكي العادي جهله بالسياسة والجغرافيا خارج حدود الولاية التي يعيش بها أو خارج أمريكا علي الأقل، فكل ما هو خارج مصالحه اليومية المعاشة لا يشد اهتمامه، ومثل هذه الحقائق التي تمت صناعتها علي الأرض وبقدرات مالية هائل أنفقتها المجمع الصناعي الحربي وشركاته خلال الحرب الباردة ومحاربة المكارثيون القدامي والجدد لكل ما هو شيوعي أو يساري جعلت من الرئيس بوش ومن معدي خطاباته يقدمون خلال توجههم للرأي العام الأمريكي سطورا في الجغرافيا الاقتصادية وليس الطبيعية، فهنالك ولايات أمريكية عدة بحجم العراق فلماذا كاليفورنيا بالتحديد؟ كما أن بعض الولايات المشابهة للعراق من حيث المناخ والطقس والطبيعة الصحراوية أقرب لاطلاق التشبيهات البريئة من الولايات المتحدة الامريكية في الوعي الجمعي للامريكان؟ هذه السقطة المريعة للرئيس هي موضوع تحليلنا واجتهادنا في هذه المقالة.
النفط العراقي والجنة الموعودة
في إحدي الروايات الإسبانية القديمة يحلق الكاتب بخياله فيسهب في وصفه للجنة التي أسماها (كاليفورنيا) ويظل هذا الوصف عالقا في أذهان الرحالة الأسبان والمغامرين والمهاجرين بحثا عن أراض وخيرات وأموال بكر لا يمكن أن تتحقق لهم ولأمثالهم في أوروبا وخاصة بعد أن عاثت أوروبا الاستعمارية فسادا ونهبا في الشرق سواء في آسيا أو في إفريقيا أم حتي في الساحل الشرقي لامريكا، وعندما وصل هؤلاء وغيرهم للساحل الغربي الأمريكي أصابتهم (الصدمة والذهول) لدي مشاهدتهم لحجم الأشجار ومناجم الذهب البكر في ذلك الشريط الساحلي الذي تسبقه جبال وصحاري في ولاية نيفادا مثلا. فلم يكن جاهزا في ذهنهم آنذاك سوي العالق في خيالهم من تلك الرواية الإسبانية وهكذا أطلقوا علي تلك الجنة الجاهزة التي استولوا عليها من الهنود الحمر اسم (كاليفورنيا) التي نضب فيها الذهب بعد طول استثمار ولم يتبق شيء منه لليابانيين الذين وصلوا متأخرين لذلك الساحل ولم ينالوا شيئا سوي اعتقالهم إبان الحرب العالمية الثانية، ففي السنوات الأخيرة عانت كاليفورنيا تحديدا من أزمة في الطاقة كما أنها الولاية المتميزة بعدد كبير من الناشطين السياسيين خاصة بعد ازدياد عدد سكانها ونضوب خيراتها والتغيرات الديموغرافية التي شهدتها.
لكن كاليفورنيا في الوعي الجمعي والتاريخي للأمريكيين من مختلف المنابت والأصول تظل كاليفورنيا التي تتغني بها بعض الأغنيات الامريكية المعاصرة وبعض الأفلام السينمائية، وبرغم كل أزماتها تظل من دون غيرها من الولايات رمزا للذهب والمال و الرخاء والزراعة والتجارة وعندما يجري تشبيه العراق ولو من حيث الحجم والمساحة بكاليفورنيا فإن شهية المواطن الأمريكي لا بد وأن تتفتح لنفط العراق سواء في جنوبه مثل حقول الرميلة وبقية حقول النفط التي باتت تحت السيطرة الامريكية أم في كركوك أو إيران، في خطوة مقبلة بعد أن تمت الإحاطة الامريكية بمقدرات بحر قزوين تحت غطاء محاربة طالبان وأسامة بن لادن وتغيير النظام في أفغانستان فالشرق الأوسط بات سوقا استهلاكية فقط من دون مقدرات ومن دون سيادة وطنية مدعاة والشركات الامريكية التي آلت للسقوط والإفلاس في طريقها للثراء والتحكم ولو بقوة السلاح والتكنولوجيا التدميرية غير الإنسانية علي الإطلاق، سقط القناع عن القناع وافتضح الأمر ولو في عبارة من عبارات خطاب الرئيس بوش الابن فنسبة لا بأس بها من القوات الامريكية المشاركة جاءت من ولاية تكساس، وعائلة بوش معروفة منذ أكثر من نصف قرن بامتلاكها لشركة نفط وشقيق الرئيس هو حاكم ولاية تكساس، ونفقات الحربين التي تارة تتخذ تحرير بلد وأخري تحرير شعب يتم دفع نفقاتها الخيالية من مقدرات شعوب المنطقة التي ليس لديها غير النفط ولم تتذوق بعد المنتجات الزراعية المصدرة إليها علي شكل معلبات مصنوعة في كاليفورنيا، بالطبع سيصاب المجند الأمريكي بالصدمة والذهول إذا ما استمرت الحرب حتي شهور الصيف فأقصي درجة حرارة تعرضت لها صحراء نيفادا كانت 48 درجة مئوية وهذه الدرجة اعتيادية في البصرة وبغداد والكويت وكل صحاري العروبة، فأين طقس كاليفورنيا وجبالها وظلال أشجارها الوارفة وأين بحر لوس أنجليس وحسناوات جامعة بيركلي من كل ذلك ؟ و إذا كان المجند الأمريكي العائد جريحا أو مصابا إن عاد قد تناول كتابا بالصدفة مثل كتاب القاص العراقي البصراوي محمد خضير، في درجة 45 درجة مئوية وقرأه ثم أوصله المعادون للحرب والعدوان علي العراق من جامعة بيركلي كتاب (جون ريد) الأمريكي ليقرأ (عشرة أيام هزت العالم) المحظور لعقود في الولايات المتحدة وكتب هنري ميلر الأمريكي وليس أقلها (الكابوس المكيف) فإنه ما من شك سوف يستيقظ علي كابوس عراقي غير مكيف وقد لا يستيقظ أبدا وإنما يستيقظ أبناؤه وأرملته لو أن القبضة الإعلامية التي تدار من قبل شركات فرعية للمجمع الصناعي الحربي تراخت قليلا ليزيد عدد الذين لا يقايضون دم الإنسان بالنفط، فمثل هذه الشعارات (No blood for oil) باتت متداولة في جميع أرجاء العالم لكن معناها العميق ما زال مجهولا ليس لدي شعراء وفنانين امريكا وكتاب وأكاديمي جامعاتها وإنما ما زال مجهولا لدي الإدارة الامريكية التي لا تقرأ سوي تقارير استخبارية مغلوطة مندفعة بفعل شبق الربح لارتكاب حماقات عسكرية وثقافية وإعلامية لم يشهد التاريخ مثيلا لها، وفي الوقت الذي تدعو فيه للحرية تدشن حقبة مكارثية تسيء أول ما تسيء لعقل المواطن الأميركي فتبرزه بصورة كرتونية لم يشهدها ويتمتع بها سوي الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الامريكية، الذي أرسل بجنوده ومعهم بطاقات (الماستر كارد).
ومثل هذه البطاقات كان بإمكانهم استخدامها لشراء كتب تعرفهم بالعراق ماضيا وحاضرا ومستقبلا، قبل أن يعرضها التلفزيون العراقي علي الملأ، لكنهم وعدوهم بجنة الذهب الأسود ولم يحذروهم من جحيم الصحراء والنفط.

البحث عن هوية النفط
قبل سنوات عدة ــ وتحديدا في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ــ كتب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ريتشارد آرميتاج محذرا أن الأمريكيان باتوا يحنون إلي أصولهم وأن بوتقة الهوية الامريكية لم تعد بكافية لصهرهم وتوحيدهم، وأن الأمر بات يشكل خطرا عل مستقبل امريكا، وقد كان ريتشارد آرميتاج محقا في ملاحظته، فقد كانت مغامرة إبادة السكان الأصليين والاستيلاء علي ذهب وخيرات الهنود الحمر توحد الغزاة لأراض بكر، ثم جاءت ثورة أكتوبر ونشوء الاتحاد السوفيتي كقوة عظمي أيضا لتوحدهم أي الامريكان المعادين للاشتراكية والسلم والعدالة الاجتماعية وبتفكك الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية وحلف وارسو وصعود نجم اليابان ودول شرق آسيا والصين اقتصاديا بدأت الدولة الرأسمالية الكبري في العالم تعاني من التقهقر الاقتصادي والإفلاس علي معظم الصعد، وإذا كانت النزاعات المسلحة التي تصب في جيوب وأرصدة عتاة الصناعات الحربية قد خفتت فإن كل ما يوحد الامريكان بات أضعف من ذي قبل فراحوا يفتشون عن أسباب وأعداء جدد ليوحدوهم وكانت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) فرصة سانحة لتقسيم العالم إلي دول وشعوب ومناطق شريرة وأخري تابعة لا حول لها ولا قوة، فالحديث عن مناهج التعليم وثقافة الأجيال الجديدة في امريكا ليس كافيا لتعليق علم امريكا علي صدور الأمريكيين وإنما يراد للأمريكي إعادة إنتاج ما جعله أمريكيا وما من أجله يكون مكتفيا بالأمركة، وهذا تاريخيا أمر يتعلق بالمصالح وفي مقدمة هذه المصالح النفط ومصادر الطاقة في العالم أجمع وليس النفط العربي وحسب الذي لم يكن لغيرهم أساسا فقد تبين في إحدي الدول النفطية أن العدادات التي تحتسب كميات النفط المصدر للناقلات الامريكية كانت معطلة وأن تلك الدولة التي تدعي سيادتها علي مقدراتها لم تكن تستلم سوي فواتير لقاء النفط المنهوب بإرادة حكامها أم بغير إرادتهم.
أما الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فليس سوي مسمار جحا للأمريكيين الحالمين ببقائهم امريكان وبجنة النفط وهويته التي تتخذ لها شكل علم دولة بات يداس بالأقدام في مختلف مظاهرات ومسيرات الشعوب في القارات الخمس وليس في كاليفورنيا وحسب، باختصار امريكا المأزومة باتت تصدر أزماتها للخارج علي شكل حروب لأنه ليس لديها ما تصدره ويجلب لها أرباحا سوي هذه البضاعة وبالنتيجة سوف تستورد العنف والإرهاب شاءت أم أبت وهذه الحماقة بعينها التي لا يليق بدولة عظمي أن ترتكبها من دون حساب نتائجها الداخلية والخارجية، والعراق في الماضي وفي التاريخ ليس كاليفورنيا كما أن امريكا بكل ولاياتها ليست بحجم تاريخ البصرة أو بابل وما هكذا تكون المقارنات، كاليفورنيا (الجنة) ليست هي الجنة نفسها التي ينشدها المسلمون ويموتون من أجلها وفي سبيلها.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1470--- Date 4/4/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1470 --- التاريخ 2003 - 4 - 4

AZP07

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق